فخر الدين الرازي
160
شرح عيون الحكمة
--> عندما رأيت من كرامة اللّه لأوليائه ؟ فقلت لها : فما فعلت : « عبدة بنت أبي كلاب » ؟ فقالت : هيهات . هيهات . سبقتنا - واللّه - إلى الدرجات العلى . قالت : قلت : وبم وقد كنت عند الناس أعبد منها ؟ فقالت : انها لم تكن تبالى على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست فقلت : فما فعل « أبو مالك » ؟ - تعنى ضيغما - فقلت : يزور اللّه تبارك وتعالى متى شاء . . . الخ » * * * هذا كلام ابن القيم بنصه . وهو كلام المتصوفة أنفسهم . وقد أثبت به أن للأموات صلات بالأحياء . فلو أن متصوفا قال له : أتاني صاحب هذه القبة في المنام وطلب منى أن أصلى ركعتين عند رأسه وأن أدعو له . أو قال له في المنام : زرني ومعك كبش وانحره لزوار قبرى . أو قال له : أنا زرت اللّه كثيرا ولو أردت أن أتوسط لك عنده لفعلت . فبما ذا يرد ابن القيم على الصوفي قائل هذا ؟ وقد أثبت ابن القيم في أول كتابه الروح : أن كلام الأموات في الرؤى . لا يرد . وأن الميت إذا أتى في المنام الانسان وقال له : انى أوصى لفلان ، وأصبح هذا الانسان وأخبر أهل الميت بالوصية هذه ، فإنه يجب عليهم إمضاؤها . ويقول ابن القيم بعد ذكر روايات منامية في هذا الشأن : « وهذا محض الفقه » وانه لمخطئ في ما ذهب اليه . وهو قد ذهب إلى تصديق رابعة العدوية الصوفية الشهيرة في قولها - وهو قول منام - أن أبا مالك كان يزور اللّه تبارك وتعالى متى شاء . وذهب إلى أن كلام الميت في الحلم ككلامه في اليقظة . ولا أدرى أين كان عقله وهو يكتب هذا ؟ فلو أن حاكما رأى في منامه أن رجلا وامرأة - لم يموتا بعد - يزنيان ، فهل إذا قام من نومه يقيم عليهما الحد ؟ وهل إذا رأى انسان نفسه مع امرأة يضاجعها . فهل يصبح ويقول للحاكم : طهرني من الزنا ؟ ولو رأى أسدا قد أتاه في الحلم ، فهل هذا الأسد هو نفسه الذي يعيش في الغابات ؟ انها صور تتراءى فقط . * * * أن الذي يقضى على المذهب الصوفي قضاء مبرما ، ويهد أركانه من الأساس : هو اثبات انقطاع الأرواح عن الأجساد من بعد الموت - سواء كانت أرواح أنبياء أو كانت أرواح أولياء - واثبات أنها لا تتلافى ولا تتزاور ولا تتعارف ولا صلة لها بالأحياء ، ولا تعرف شيئا مما يجرى في الدنيا . واثبات أنها ليست بجسم منفصل عن الجسد وروحه . سواء كان جسما